فطرٌ خالٍ من الاحتلال: نموذجٌ للمقاومة الاقتصاديّة

Update | Feb 2017

في هذا التحديث، يبحث مشروع “من يربح من الاحتلال” مبادرة زراعة الفطر الفلسطينيّة، وينظر من خلالها إلى واقع السوق الفلسطينيّ باعتباره سوقًا أسيرًا، وهي حالة يرسّخها الملحق الاقتصاديّ لاتفاقيّة أوسلو- بروتوكول باريس. تستعرض هذه الدراسة نموذجًا للمقاومة الاقتصاديّة، بينما تكشف أساليب التضييق الشرسة ضدّ الاقتصاد الفلسطينيّ، من مراكمة العقبات في مسار ترخيص المُنتجات، والتفتيش الأمنيّ، الضرائب والرسوم الباهظة والمكثّفة التي تُفرض على كل عمليّة تصدير للمواد الخام، وغيرها صعوبات كثيرة أخرى.

في هذا التحديث، يبحث مشروع “من يربح من الاحتلال” مبادرة زراعة الفطر الفلسطينيّة، وينظر من خلالها إلى واقع السوق الفلسطينيّ باعتباره سوقًا أسيرًا، وهي حالة يرسّخها الملحق الاقتصاديّ لاتفاقيّة أوسلو- بروتوكول باريس. تستعرض هذه الدراسة نموذجًا للمقاومة الاقتصاديّة، بينما تكشف أساليب التضييق الشرسة ضدّ الاقتصاد الفلسطينيّ، من مراكمة العقبات في مسار ترخيص المُنتجات، والتفتيش الأمنيّ، الضرائب والرسوم الباهظة والمكثّفة التي تُفرض على كل عمليّة تصدير للمواد الخام، وغيرها صعوبات كثيرة أخرى.

اتفاقيّة باريس: السوق الفلسطينيّ رهينةً لدى الاحتلال

لم يكن لبروتوكول باريس، الملحق الاقتصادي لاتفاقيّة أوسلو، أي دلالةٍ خاصّة أو اعتبارٍ جوهريّ. إلا أن هذه الاتفاقيّة “الثانوية” أمّنت لإسرائيل السيطرة على الاقتصاد الفلسطينيّ واخضاعه. يُعتبر هذا البروتوكول أهم مستندٍ لفهم اقتصاد الاحتلال الإسرائيليّ، إذ أن الاتفاقيّة تحدد، من جملة ما تحدّده، أحكام الاستيراد والتصدير. على الورق، وبحسب الملحق الخامس والتاسع، يُفترض بأن تكون معظم المنتجات الإسرائيليّة والفلسطينيّة معفيّة من الضرائب المباشرة، وأن تحظى كل المنتوجات الصناعيّة بحريّة الحركة، دون أي قيودٍ من كلا الطرفين. إلا أنّ حرمان الفلسطينيين المنهجيّ من حريّة الاستيراد والتصدير يبقى هو الواقع على الأرض تحت الاحتلال.

عمليًا، يؤمّن بروتوكول باريس دخول المنتجات الإسرائيليّة من إسرائيل إلى المناطق المحتلّة، دون جباية أي ضرائب استيراد، في الوقت ذاته يراكم الاحتلال العقبات من أجل تقييد حركة المنتجات الفلسطينيّة دخولًا إلى الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة وخروجًا منها. والنتيجة كانت ولا تزال المزيد والمزيد من الاخضاع للسوق الفلسطينيّ الأسير الذي تطوّقه قبضة الاحتلال.

تأثير بروتوكول باريس لا يزال مستمرًا ويُلقي بثقله على المبادرات المحليّة الفلسطينيّة التي تحاول الانعتاق عن السوق الإسرائيليّ لصالح تشكيل سوقٍ فلسطينيّ مستقل. فبحسب تقديرات البنك الدوليّ، وهي تقديرات محافِظة وحذرة، فإن النموّ الاقتصاديّ الفلسطينيّ لن يتغيّر في العام 2016، وسيبقى ثابتًا على نسبة 3.3 بالمئة، وعلى إجماليّ ناتجٍ محليّ بقيمة 2.7 دولار للفرد. للمقارنة، فإن الاقتصاد الإسرائيلي يُحرز إجمالي ناتج محليّ قيمته 36 دولار للفرد، أي ما يعادل 18 ضعفًا لإجمالي الناتج المحليّ الفلسطينيّ في الفترة ذاتها.

كذلك، فإن الوقائع على الأرض تُثبت بأن الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة هما ثاني أكثر المناطق استيرادًا من إسرائيل. بحسب جهاز الإحصاء المركزيّ الفلسطينيّ، فإن الضفة الغربيّة وحدها تُدخل 3.3 مليار دولار للاقتصاد الإسرائيليّ سنويًا.

المبادرات الفلسطينيّة المحلية: نموذجٌ للمقاومة الاقتصاديّة

بالنسبة للمصالح الفلسطينيّة الصغيرة والمبادرات المحليّة، فإن الطريق الممتدة منذ تأسيس المبادرة وحتّى الحصول على الرخص اللازمة وصولًا إلى عمليّة الإنتاج الفعليّة، هي طريق مرصوفة بالمعيقات والحواجز. ففي القطاع الزراعيّ مثلًا، يزرع المستوطنون الإسرائيليّون معظم الفاكهة والخضار داخل الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، بينما حصّة صغيرة فقط من الإنتاج الزراعيّ يتولّاه مزارعون فلسطينيّون. مع هذا، فإن تصدير المنتجات الفلسطينيّة غير ممكن إلا من خلال السلطات الإسرائيليّة وشركات التصدير الإسرائيليّة. ويعود تعلّق المزارعين الفلسطينيين بشركات التصدير الإسرائيليّة إلى بروتوكول باريس بشكلٍ مباشر، وهو ما نستعرضه في هذه السطور.

إن نموذج “المبادرة الفلسطينيّة لزراعة الفطر”، والتي نستعرضها هنا، تقدّم نموذج مقاومةٍ اقتصاديّة لا هوادة فيه، وتكشف عن منهجيّة الخنق الإسرائيليّ للاقتصاد الفلسطينيّ. لم يكن حتّى العام 2013 من يتحدّى هيمنة الفطر الإسرائيليّ على السوق الفلسطينيّ. في ذلك العام، تأسست أول مزرعة فطر فلسطينيّة على يد مجموعة صغيرة من الشابّات والشبّات الفلسطينيين وسُجّلت في وزارة الاقتصاد الوطنيّ في رام الله. طموح التحرّر من قيود الاحتلال الاقتصاديّة كان القلب النابض لهذه المبادرة، وكان دافعهم وهاجسهم تقديم بديلٍ للمستهلك الفلسطينيّ.

مجهّزين بآلات وصلتهم من أوروبّا، وبما لا يُعد ولا يُحصى من أسابيع بحثٍ ودراسة، وإرادة لتحدّي الواقع القائم، بدأت مبادرة الفطر الفلسطينيّ بزراعة وتربية الفطر العضويّ – الفطر الخالي من الاحتلال. بعد ثلاثة أشهر على إطلاقها، سيطرت مزرعة الفطر الفلسطينيّة على أكثر من نصف سوق الفطر في الضفّة الغربيّة، وورد احتمال تصديرها إلى قطاع غزّة أيضًا. ومع حضور هذا البديل إلى سوق الغذاء في الضفّة، أظهر المستهلكون اهتمامًا بالغًا لا لبس فيه بهذا المنتوج المحليّ، ليتشكّل في هذه اللحظة نموذج مقاومة اقتصاديّة.

إلا أن تعزيز ودعم الانتاج المحليّ لم يكن مهمةً سهلة بالنسبة لمبادرة الفطر الفلسطينيّة. استيراد المواد الحيويّة لنموّ الفطر (مثل خثّ الطحالب والأبواغ للأسمدة) واجه عوائق جديّة فرضتها السلطات الإسرائيليّة، إضافةً إلى العوائق البنيويّة التي يفرضها بروتوكول باريس.

الترخيص

بعد تحصيل كافة المستندات المطلوبة بحسب التشريعات الفلسطينيّة والإسرائيليّة، وبعد التسجيل في المستوطنة الإسرائيليّة غير القانونيّة المحاذية لرام الله – “بيت إيل” – حصلت مبادرة الفطر الفلسطينيّة على التصريحات اللازمة للبدء بالاستيراد والتصدير ومن بينها ترخيص الاستيراد من وزارة الصحّة الإسرائيليّة.

ويجدر التنويه إلى أن كل الصناعات الفلسطينيّة مجبرة على تلقّي ترخيص استيراد من وزارة الصحّة الإسرائيليّة بشأن كل المواد الخام التي تنوي استيرادها من الخارج، بغض النظر عن مصدرها أو إمكانيّات استخدامها، وهو ترخيص مطلوب من الصناعات الفلسطينيّة فقط بينما تُعفى منه الصناعات الإسرائيليّة. فبالنسبة للمصانع الإسرائيليّة عدد قليل فقط من المواد الخام يتطلّب تصريحًا خاصًا، وهي تصاريح تُعطى سنويًا في الغالب، بينما يحتاج المستورد الفلسطينيّ تصريحًا منفردًا لكل شحنةٍ بحدّ ذاتها، بغض النظر إن كانت لهذه المواد شروط خاصّة أو أن المستورد الإسرائيليّ يستطيع استيرادها دون حاجةٍ بالتصريح. تقديم طلب الحصول على تصريح لكل شحنةٍ على انفراد هو استثمار هائل للوقت والموارد الماليّة والبشريّة، لدفع رسوم الترخيص، وللقيام بكل هذه الاجراءات . كذلك، فإن كل ترخيص يتطلّب مصادقةً من سلطات الجمارك الفلسطينيّة والإسرائيليّة، وكذلك سلطات الصحّة. ويستمرّ الإجراء من ثلاثة أيّام كحدٍ أدنى، وحتّى أسابيع طويلة، وهو ما يؤدي إلى تأخير طويل في عمليّة الانتاج. ويؤثر هذا التأخر بالأساس على المنتجات المخصصة للتصدير إلى الأسواق الدوليّة، إذ أنه يعيث إمكانيّة المنافسة في المناقصات، ويتسبب بخسائر فادحة على صعيد الضمانات الاقتصاديّة.

التأخيرات والعقبات

من اللحظة الأولى في عمليّة الاستيراد، وحتّى آخر لحظة، أخرت السلطات الإسرائيليّة المواد المستورد من قبل مبادرة الفطر الفلسطينيّة، وهو ما يؤدي إلى أضرارٍ جسيمة في كلّ خط الانتاج. أول شحنتين كبيرتين من هولندا لمبادرة الفطر الفلسطينيّة، احتُجزوا لأسبوعين، رغم ذلك، تمكّنت المبادرة من احتواء هذا التأخير وإدارته بحيث يُنجزون عملهم. خلال العام، تمكّنت مبادرة الفطر الفلسطينيّة من زراعة الفطر الطازج بالجودة العالية المطلوبة. ومع نهاية عام 2015، كانت مبادرة الفطر الفلسطينيّة قد سيطرت على الأسواق الفلسطينيّة في الضفّة الغربيّة. بحسب المزوّدين الهولنديين، لم تُنافس المبادرة الفلسطينيّة الشركات الإسرائيليّة الكبرى من حيث جودة الفطر، إنما تفوّقت عليها تمامًا. وبسبب رواج الفطر الفلسطينيّ ونجاحه غير المتوقّع، لم تتمكّن الشركات الإسرائيليّة من مواصلة تصديرها للفطر إلى الأسواق الفلسطينيّة بذات القوّة، اذ انخفض الطلب على هذا المنتج الإسرائيليّ بعد ذلك. بكلمات أخرى، استطاعت المبادرة أن تخترق الطوق الإسرائيليّ الذي يُطبق على السوق الفلسطينيّ، وأن تقدّم منتجًا فلسطينيًا بجودةٍ أفضل، بسعرٍ معقول، وخارج دائرة صناعات الاحتلال.

على أثر هذا النجاح، بدأ ميناء أشدود يتّخذ إجراءات تأخير منهجيّة في حمولات مبادرة الفطر الفلسطينيّ المستوردة من هولندا، ليطول بذلك احتجازها لمدةٍ تتجاوز الـ 45 يومًا، وأحيانًا 60 يومًا، وحتّى 100 يومًا للشحنة الواحدة. خلال فترة التأخير هذه، وبالإضافة إلى الاجراءات الأمنيّة الاعتياديّة، اختلقت السلطت الإسرائيليًا إجراءات للفحوصات المخبريّة التي شملت تجربة المواد الخام على الفطر من أجل فحص جودتها قبل وصولها إلى المشتري، في حالة المبادرة الفلسطينيّة. فُرض هذا الاجراء على الشحنات المتأخرة التي استوردتها مبادرة الفطر الفلسطينيّة فقط، وذلك بعد أن أحرزت نجاحًا جديًا في السوق، ورغم أن المبادرة حصلت على رخص وزارة الصحّة أصلًا، كما حصلت على كل الشهادات الصحيّة اللازمة من شركة التصدير الهولنديّة.

عمومًا، فإن الأغلبيّة الساحقة من الشحنات التي يتم استيرادها من الخارج إلى المناطق الفلسطينيّة المحتلّة يجري تأخيرها من قبل الإسرائيليين لمبررات أمنيّة، وذلك لمدةٍ تتراوح بين عدّة أيّام وعدّة أسابيع، حتّى في الحالات التي أصدرت فيها الرخص، أو حتّى بعد أن تخضع الشحنة للفحص الأمنيّ في المطار الأوروبيّ. في حالة مبادرة الفطر الفلسطينيّة، امتد التأخير من 60 حتّى 100 يومًا للشحنة الواحدة، هذا من دون حسبان أيّام التأخير “العاديّة” في السوق الفلسطينيّ.

الثمن الاقتصاديّ

بالنسبة لمبادرة الفطر الفلسطينيّة، فإن كلّ تأخير ليوم واحد يشكّل عقبةً في الانتاج، وأكثر من ذلك أنه يعني تضخمًا هائلًا في المبالغ الماليّة التي تُدفع ضريبة لسلطة الموانئ الإسرائيليّة، وذلك لتغطية تكاليف التخزين، الكهرباء، والمناولة الأرضيّة لكل حاوية محتجزة في ميناء أشدود. بتأخير 45، أو 60، أو 100 يومًا، فإن الثمن الماليّ الذي تدفعه مبادرة الفطر الفلسطينيّة يضحي ساحقًا، ويكلّف هذه المبادرة المحليّة ما يساوي 5 حتّى 8 أضعاف السعر الأصليّ للحاوية الواحدة. كما أن المبادرة مجبرة على دفع حصة كبيرة من الرسوم والضرائب على كل فحصٍ أمنيّ يجريه الطرف الإسرائيليّ. في حالة الحمولات المستوردة للمناطق الفلسطينيّة المحتلّة، فإن ثمن الفحوصات الأمنيّة الإسرائيليّة، والتي تجريها شركات أمنيّة خاصّة، يدفعها المستورد الفلسطينيّ، ذلك إضافة إلى تكاليف التخزين، والتي تحصّلها شركات إسرائيليّة خاصّة أيضًا، وأهمها شركة “مامان”.

في هذا المجال، يسمح بروتوكول باريس للشركات الإسرائيليّة المتخصصة في إدارة الشحن، ملكيّة المساحات، التخزين، وخدمات النقل أن تستفيد من الاجراءات المفروضة على المستوردين الفلسطينيين. بحسب البروتوكول، فإن معظم أموال الضرائب التي تكسبها إسرائيل يجب أن يتم تحويلها إلى السلطة الفلسطينيّة، كلّها عدى جزءًا صغيرًا من الضرائب بمقدار 3 بالمئة تقريبًا تحتفظ به إسرائيل “للخدمات الإداريّة” . أما بالواقع، فإن دائرة الاستيراد كلّها تمر من خلال إسرائيل، وبالتالي فإن الشركات الإسرائيليّة هي المستفيدة الوحيدة منها. تبدأ هذه الدائرة في ترخيص الاستيراد، وتمر عبر مجمل الخدمات الأخرى: استخدام الميناء (ضريبة الميناء)، التخزين، المناولة الأرضيّة (بما في ذلك الضرائب الجمركيّة)، والنقل – وهي كلّها خدمات يديرها ويعمل بها الإسرائيليّون. يُجبر المستورد الفلسطينيّ على الدفع للشركات الإسرائيليّة، خاصةً مقابل التفتيش الأمنيّ الذي تطلبه إسرائيل على كل حمولة تدخل الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة. في اللحظة التي تصل فيها الحمولة إلى الميناء الإسرائيليّ، تحتاج إجراءات التفتيش إلى ما يقارب الأسبوع، ويكلف ذلك عادةً 5 حتى 10 بالمئة من قيمة الحمولة. ضرائب الميناء، الفحوصات الأمنيّة وضرائب القيمة المضافة تضيف ما يعادل 14 بالمئة من السعر. بالمجموع، فإن 20 بالمئة من ثمن الحمولة تصرف للتصاريح والضرائب. إلى ذلك، فإن كل جهاز الضرائب هذا، والذي تأسس في بروتوكول باريس، يؤمّن لإسرائيل ربحًا بقيمة تزيد عن 310 مليون دولار سنويًا، تسلبها إسرائيل من السلطة الفلسطينيّة .

في مثل هذه الحالة، تُثقل الأعباء الماديّة الهائلة على مثل هذه المبادرات الصغيرة، حتّى تطلّب الأمر أن تحصر مبادرة الفطر الفلسطينيّة تعداد عمّالها بثماني عاملات فحسب. ومع هذا، ورغم أنها غارقة بالديون، إلا أن المبادرة لم تتقاعص في دفع معاشات العاملات، ولم تمارس أي نوعٍ من الاستغلال. يجدر التنبيه إلى أن كل العاملات الفلسطينيّات في هذه المبادرة قد تم استغلالهن سابقًا ومقاضاتهم بأجورٍ بخسة جدًا خلال عملهنّ السابق في شركات الزراعة الإسرائيليّة في حقول المستوطنة الإسرائيليّة غير القانونيّة في الضفة الغربيّة – معالي أدوميم.

زيم” – شركة خدمات الشحن المتكاملة

من خلال بروتوكول باريس، تحصد شركات الشحن الإسرائيليّة الخاصّة أرباحًا هائلة من الاستيراد والتصدير للسوق الفلسطينيّ الخاضع للاحتلال الإسرائيليّ. بغياب شركات شحن الفلسطينيّة، تسدّ الشركات الإسرائيليّة أي منفذ  لإدخال وإخراج الحمولات من وإلى الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة، كما تجني الشركات الإسرائيليّة ربحها من خلال المعيقات التي تراكمها أمام حركة التجارة الفلسطينيّة.

من خلال شركة تطوير ومساعدة الموانئ الحكوميّة، تراكم سلطة الموانئ الإسرائيليّة العقبات أمام حركة الاستيراد والتصدير الفلسطينيّة، وتسيطر على جزءًا من الحواجز في خدمة المصالح الاقتصاديّة الإسرائيليّة وبشكلٍ منهجيّ. نتيجة مباشرة لذلك، فإنّ 85 بالمئة من التصدير الفلسطينيّ يدخل خزينة الدولة الإسرائيلية بشكل مباشر، بينما 75 بالمئة من الاستيراد الفلسطينيّ مصدره من المُنتج الإسرائيلي، وهو ما يكرّس ويثبّت الخضوع الاقتصاديّ للأراضي الفلسطينيّة والشعب الفلسطينيّ القابع تحت الاحتلال.

بالسيطرة على 20 بالمئة من سوق الشحن، تُعدّ “زيم” أكبر شركة شحنٍ في إسرائيل، والتي تأسّست من قبل الوكالة اليهوديّة والنقابة العامّة “الهستدروت”  عام 1945، وتمتلكها اليوم شركة “Kenon Holdings”.

المبنى الاقتصاديّ والمعلومات الماليّة

خضعت شركة خدمات الشحن المتكاملة -“زيم”- إلى تغييرات حادّة في بنيتها الاقتصاديّة، وقد حوّلتها من شركةٍ حكوميّة إلى شركة بملكيّة خاصّة. وقد وصلت عمليّة الخصخصة مرحلة مفصليّة في كانون الثاني من عام 2005، حيث تم بيع الأسهم الحكوميّة في الشركة إلى شركة إسرائيل (ويملكها الأخوان عوفر) لقاء 115 مليون دولارًا أمريكيًا في ذات الوقت. على أي حال، وحتى هذا اليوم، لا زالت الحكومة تمتلك ما يُسمّى “أسهمًا ذهبيّة” تمنح الحكومة حقّ النقض، في حالة تم عرض الشركة للبيع أو للمزاد العلنيّ.

إيرادات (2015): 2.99 مليار دولار

أرباح: 2 مليون دولار

يقع مقرّ الشركة اليوم في منطقة “ماتام” في حيفا، ويرأسها حاليًا رافي دينيئيل، وسيتم استبداله قريبًا بعد خروجه للتقاعد.

الاستثمارات الايجابيّة في فلسطين

من أجل مواجهة حالة قمع وخنق التطوير المُزمنة التي يعاني منها الاقتصاد الفلسطينيّ، يؤمن الكثيرون بأن الردّ المطلوب هو زيادة الاستثمار بالمصالح الفلسطينيّة من أجل زيادة الأرباح في السوق الفلسطينيّ. الدعوة “للاستثمار في فلسطين” بعيدة عن أن تكون حلًا جذريًا للوضع القائم، بل أكثر أكثر من ذلك، إنها في أحيان كثيرة تؤدّي إلى المزيد من الربح الاقتصاديّ الإسرائيليّ على حساب المواطنين الفلسطينيين.

بكلمات أخرى، فإن ضخّ التمويل من أجل إنعاش الاقتصاد الفلسطينيّ الخاضع للاحتلال لا يمكنه أبدًا أن يؤسس أي نوعٍ من أنواع الاقتصاد المستقل. كما أظهرنا من خلال تجربة مبادرة الفطر الفلسطينيّة، فإن الاقتصاد الفلسطينيّ من أساسه يعاني من تشويه بنيويّ يُرسيه بروتوكول باريس، ويستمر في تعميق التعلّق الاقتصاديّ والتجاريّ الفلسطينيّ بإسرائيل. إن الاستثمار في السوق الفلسطينيّ، في نهاية المطاف، يمكنه أن يعزز بعض القطاعات، أو يساهم في سدّ ديون المبادرات المتضررة مثل مبادرة الفطر، لكنّه لا يساهم في التفوّق على دائرة الغبن الذي يؤسسها بروتوكول باريس تحت دولة الاحتلال.

بالنسبة لمبادرة الفطر الفلسطينيّة، كما لمجمل السوق الفلسطينيّ المحليّ، فإن التشريعات والممارسات الإسرائيليّة تزيد أسعار المنتوجات الصناعيّة والزراعيّة الفلسطينيّة وتحبط المنافسة. ويبقى الاقتصادي الفلسطينيّ، بجميع موارده الطبيعيّة والبشريّة، فريسة سهلة تلتهمها إسرائيل.


9

21

11